
/
هكذا كان القدر ،، لم أتعمد أن أقرأ تلك الأحرف الممزوجة بشموخ متوالٍ مع بداية الحرب الإسرائلية على قطاع غزة ،،
ربمـا كان لهذا الوقت المصبوغ بأنين القلب حين يعي ما يحدث على تلك الأرض أثر على كل ردة فعل لم تكن متعمدة بيد أنها تظهر وكأنها مدروسة ومتقنة في التخطيط والتفيذ ..
:
( شموخ في زمن الإنكسار-للدكتور عبدالرحمن العشماوي – )، ديوان عاش على رف مكتبتي زمنا طويلا ،، ولم يحن الوقت لقراءته إلا قبيل الحرب بيومين تقريبا ،،
أما رواية ( جهاد الرجبي – لن أموت سدى ) لم تكن لتنفك عن ذهني كلما خطوت للمكتبة لكنها لم تشأ أن تكون بين يدي إلا مع بداية الغارات على غزة ، انتظرت اقناءها طويلا ،،
أربع سنوات أبحث عنها ولا أجدها ، ليتلاشى شبح الانتظار مع ظهور شبح الحرب ،،
لم أكن لأقرأ كل حرف تصوره جهاد في روايتها وأترك المجال لمخيلتي أن تتصور الحدث ، فوسائل الاعلام تنشر ماهو أشد وقعا ومرارة مما كتب ،
كانت تبعث بالصور الحية طوال اليوم ، وكذلك كنت أعيشها بين أحرف وصور تأتي لتبث الملح على الجرح ،،
أبيات قصائد العشماوي كانت كالدواء المسكن لتلك الآلام التي لا تتوانَ في خرق الطبقات لتصل قعر العمق وتستقر فيـه ،
كنت أقرأ هنـا وهنـاك ،،
/
جهاد في صفحاتها التي فازت بالمرتبة الأولى في مسابقة الرواية العربية ،،
لم تكن تكتب شيئا خياليا ، ولم تكن ترسم درب الصمود بعنفوان مهاجر غرر به رغم اصراره على أن المنفى سيكون وطنا آخر لا يمسخ من ذاكرته أرضه الأم ،،
لم تكن جهاد تحكي قصة شاب راح ضحية مناوشات نفس بين البقاء حتى الاختناق برائحة الموت أو الرحيل لاستنشاق هواءٍ ملوثٍ بأحلام لا تتحقق ،،
كلتا الحالتين كانت تعني الموت اختناقا ،،
،،
كلمات القصائد العشرون التي يتضمنها ديوان العشماوي كانت كفيلة جدا لأن تخلق من موت الشاب وقوفا في رواية جهاد مصيرا حقيقيا بأن موته لا يعني خيانة أو تخاذلا وضعفا
رغم المنفى والتهجير المقنن والفتن،،
تعملق الطفل في قصيدة شموخ في زمن الانكسار ، كان يشعرني بأنه (عليّ )أحد أبطال جهاد وبعض الصور في الديوان تذكرني (بحياة) الطفلة الحالمة بين صفحات الرواية ..
حين كنت أقرأ :
كانت هنالك زهرة فواحة ** وصغيرة ترعى وطفل يحلم
كانت هنالك أسرة مستورة ** تحيا الكفاف وبالتآلف تنعم
كان المساء حكاية ليلية ** يهذي بها قمر وتنصت أنجم
كان الصباح قصيدة عربية **والشمس تنشدها فلا تتلعثم ..
كانت جهاد تروي على لسان بطلها كلماتها الحبلى :
(كل الأشياء تتغير ، حتى كلماتنا ، دموعنا ، ووجوهنا ..
كان لابد أن يرضخ الأمل في قيود اليأس ، ولو مرة واحدة ، كم مرة بدلت الأرض وجهها .. ولم يقل أي منا بأنها خائنة.!!)
كأن الأرض اليوم تحكي طويلا عن بطل جهاد ، وصمود الطفل في قصائد العشماوي ،،
:
عزة وتفاؤل يحمله الديوان بصراحة ووضوح ،،
تماما مثلما تحمله الرواية باستتار وخفاء ،، ينكشف الغطاء أحيانا ليبين بعض أجزاء ما يخفيه ويستره ،،
:
في الصفحات التي قرأت حياة خاصـة ،
استنشقت معها رائحـة غزة ،
بطولة غزة ،
عنفوان غزة ،
كبرياء غزة ،
بسالة غزة ،
نور غزة ،
عظمة الدين وقوة الإسلام ..
/
لم يكن مجرد ديوان ، ولم تكن مجرد روايـة ..
!!
(أصمت طويلا وطويلا جدا ، ولايحلو الكلام إلا عن غزة رغم مرارة الحديث وعلقم الكلمات العالقة بين الشفتين ،،
الدمع المتعملق في جفني الطفلة التي تبث صورها قناة الجزيرة كل حين تشعرني بالرعب ،، لم أتصور يومـا أن دموع الأطفال تحكي حزنا ،خوفا ،رهبة ،رعبا ، براءة ،وكبرياء في آن واحد ،،
لم أكن لأدرك أبعاد كل ما أحفظه من آيات و أبيات تسلي قلبي حين أود ذكر غزة أو الحديث عنها لأجعل من الطعم الحلو نكهة حاضرة على مائدة القهر ..
والآيات المبشرات تجعلني أبتسم وأثق بأن الصبر يعني النصر ولو بعد حين ..)
/
((نشيد كان الصباح قصيدة عربيـة -ضمن قصائد الديوان بصوت محمد السلمان))

